رئيس إدارة الخزينة والأسواق في "الإمارات الإسلامي"
يشهد قطاع التمويل الإسلامي نمواً متسارعاً تؤكده الأرقام بشكل لا يقبل الجدل، من المتوقع أن تنمو الأصول العالمية بأكثر من 60% بحلول عام 2029، لتصل إلى 9.7 تريليون دولار أمريكي مقارنةً بعام 2025.
وهذا المستوى من النمو يفرض واقعاً جديداً على المؤسسات، حيث تتغير متطلبات السوق وتوقعاته، وتبرز الحاجة إلى تطوير منتجات جديدة، فيما تحولت بعض الوظائف المؤسسية من أدوار داعمة إلى عناصر استراتيجية بعد أن تجاوزت أدوارها التقليدية المحدودة.
وتُعد إدارة الخزينة إحدى هذه الوظائف، وربما الأكثر تأثيراً نظراً لكونها الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي مصرف إسلامي. فهي تقود عملية تطوير المنتجات والخدمات المالية، وتسهم في تنمية أسواق رأس المال، كما ترسخ أفضل الممارسات لإدارة الميزانيات العمومية المتوافقة مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية على نطاق واسع.
ويُظهر أحدث تقرير حول تطور التمويل الإسلامي، التحول الكبير الذي شهده القطاع. فبعد أن ارتكز بشكل شبه كامل على الخدمات المصرفية عام 2010، اتسعت منظومته لتضم أدوات ومنتجات مالية متنوعة مثل الصكوك والتأمين التكافلي والصناديق الإسلامية. ومع ذلك، تظل الخدمات المصرفية الإسلامية الركيزة الأساسية للقطاع، حيث تستحوذ على نحو 72% من إجمالي أصول التمويل الإسلامي عالمياً.
وتستحوذ دول مجلس التعاون الخليجي على أكثر من نصف إجمالي سوق التمويل الإسلامي العالمي، الذي تُقدّر قيمته بنحو 1.8 تريليون دولار أمريكي. وتُجسّد دولة الإمارات العربية المتحدة هذا الزخم بوضوح، حيث بات قطاع التمويل الإسلامي يستحوذ على نحو سدس سوق الخدمات المصرفية المحلية.
ويُعزى هذا التطور إلى مجموعة من العوامل الرئيسية، من أبرزها الدعم الحكومي، والزيادة المستمرة في الطلب على المنتجات المالية المتوافقة مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، إلى جانب تنامي اهتمام قاعدة أوسع من المتعاملين بالخدمات المصرفية القائمة على المبادئ والقيم.
كما ساهم في ذلك أيضاً الاستخدام المتزايد للصكوك كإحدى الأدوات الرئيسية لدفع عجلة التنمية الاقتصادية وتعزيز كفاءة أسوق رأس المال. وقد أسفر ذلك عن تشكيل قطاع يختلف بشكل كبير في بنيته وآليات عمله عما كان عليه منذ نشأته، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يزال يشهد تغيرات وتحولات متواصلة.
غير أن استدامة النمو لا ترتكز فقط على توافق المنتجات مع احتياجات السوق، وإنما تعتمد كذلك على وجود مؤسسات قادرة على استيعاب وإدارة التعقيدات التشغيلية والمالية التي يفرضها التوسع. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لإدارة الخزينة.
وتضطلع إدارة الخزينة بدور محوري يتجاوز المفهوم التقليدي لإدارة السيولة، حيث تشمل مسؤولياتها ضمان الجاهزية المالية المستمرة، وإدارة المخاطر، وتحقيق الاستخدام الأمثل للفوائض النقدية من خلال استثمارات مدروسة، وذلك ضمن إطار متكامل يضمن الامتثال لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
ولا يعتمد الامتثال لأحكام الشريعة على التقييم الذاتي للمؤسسة، بل يتم الإشراف عليه من قبل لجنة الرقابة الشرعية الداخلية المخولة بمراجعة وإقرار الهياكل والمعاملات والأدوات المستخدمة، بما يضمن توافقها مع مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية.
في الواقع، تُعد هذه الوظيفة من أكثر الوظائف تعقيداً في أي مؤسسة مالية إسلامية؛ إذ يجب أن تكون جميع الأدوات المالية مدعومة بأصول حقيقية، كما يتعين أن تعكس كل معاملة نشاطاً اقتصادياً فعلياً.
مجموعة من الأدوات
وفي الحالات التي تتعرض فيها المؤسسات لنقص في السيولة، تستند الأسواق إلى مجموعة من الأدوات مثل المرابحة السلعية، وعقود الوكالة، وإعادة الشراء المتوافقة مع الشريعة. ويستلزم تطبيق هذه الأدوات هيكلة دقيقة، وأساساً قانونياً واضحاً، ورقابة شرعية سليمة. وكما أن الأدوات المألوفة كالمضاربة والصكوك تتطلب خبرات متخصصة لاستخدامها بفعالية ضمن هذه القيود.
ومن ناحية أخرى، يخضع كل منتج جديد، وكل نوع من أنواع المعاملات، وكل تحرك في السوق، لعملية مراجعة وموافقة دقيقة. وتكتسب هذه الإجراءات أهميتها من دورها في ترسيخ الثقة المؤسسية لدى المتعاملين، وليس فقط من منظور الامتثال للضوابط التنظيمية.
وبدورها أظهرت حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة التزاماً واضحاً واستراتيجياً بتطوير سوق مالي يتيح لفرق الخزينة أدوات أكثر كفاءة وفعالية لإدارة أعمالها. وقد شكّل إطلاق برنامج صكوك الخزينة الإسلامية المقومة بالدرهم في عام 2024 خطوة مهمة في هذا الاتجاه، تلتها مبادرة موجهة للأفراد في عام 2025 خفّضت الحد الأدنى للاستثمار إلى 4,000 درهم. وتتم جميع مراحل العملية بشكل رقمي بالكامل، بدءاً من التسجيل ومروراً بالاكتتاب والتسوية، وصولاً إلى حفظ الأوراق المالية عبر منصات مرخصة.
انتشار الصكوك
كما يعد انتشار الصكوك مؤشراً واضحاً على تطور هيكلي في السوق، بما يوفر لإدارات الخزينة خيارات أوسع للتخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد المالية بكفاءة أعلى. فكلما ازدادت فعالية الأدوات التمويلية المتاحة، تحسنت جودة القرارات المالية.
ومما لا شك فيه بعد اليوم في تنامي الحضور الاستراتيجي للخزينة الإسلامية، حيث باتت فرق الخزينة الإسلامية تُشارك بشكل متزايد في ابتكار المنتجات وتطوير الأنظمة، مما يُساعد على سد الفجوة القائمة منذ زمن طويل بين مجموعات المنتجات التقليدية والإسلامية. ويشمل ذلك الآن كامل نطاق الأدوات - من حلول التحوط إلى أدوات إدارة السيولة - مما يجعل الخزينة الإسلامية مُحفزاً حقيقياً لتحقيق التوازن بين الميزانية العمومية وإدارة المخاطر.
إن تطوير المنتجات الجديدة يعتمد على خبرات أفراد قادرين على استيعاب المتطلبات التقنية والتحديات التشغيلية معاً، وهو ما يجعل إدارة الخزينة حلقة وصل أساسية بين الرؤية التقنية والواقع العملي.
وقد أصبحت إدارة المخاطر التي تمثل عنصراً محورياً في العمل المصرفي أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ ذلك أن التعامل مع مخاطر السوق والسيولة والميزانية العمومية في إطار الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية يُعد مهمة دقيقة تنطوي على قدر كبير من التعقيد والتحدي. كما أنّ إتقان هذه الإدارة يُعدّ ميزة تنافسية حقيقية، بينما يترتب على إهمالها عواقب وخيمة تتجاوز حدود الميزانية العمومية.
وفي ضوء مسار النمو الذي يشهده القطاع، تشير التوقعات إلى حتمية توسع متطلبات إدارة الخزينة وتعقيد مسؤولياتها. وعليه، فإن المؤسسات التي تعاملت معها كوظيفة داعمة ينبغي عليها إعادة النظر بشأن هذا التوجه.
أما المؤسسات التي بادرت إلى الاستثمار في بناء وظائف الخزينة كإحدى الركائز الاستراتيجية أصبحت أكثر جاهزية للتعامل مع المتغيرات المقبلة، لا سيما في ظل سوق يتسم بالنمو المتسارع واحتدام المنافسة ويفرض تحديات أكبر على المؤسسات غير المجهزة بالقدرات اللازمة للعمل بكفاءة فيه.
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها.. ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة قسم "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي